المقريزي

397

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

واتهم في هذه النوبة عدّة من أعيان المصريين بممالأة الفرنج ومكاتبتهم ، وقبض عليهم الملك الناصر ، وقتلهم . وكان سبب هذه النوبة أنّ الغزو لما قدموا إلى مصر من الشام صحبة أسد الدين شيركوه ، تحرّك الفرنج لغزو ديار مصر ، خشية من تمكن الغزو بها ، فاستمدّوا إخوانهم أهل صقلية ، فأمدّوهم بالأموال والسلاح ، وبعثوا إليهم بعدّة وافرة ، فساروا بالدبابات والمجانيق ، ونزلوا على دمياط في صفر ، وهم في العدّة التي ذكرنا من المراكب ، وأحاطوا بها بحرا وبرّا ، فبعث السلطان بابن أخيه تقيّ الدين عمرو ، وأتبعه بالأمير شهاب الدين الحازميّ في العساكر إلى دمياط ، وأمدّهما بالأموال والميرة والسلاح ، واشتدّ الأمر على أهل دمياط ، وهم ثابتون على محاربة الفرنج . فسيّر صلاح الدين إلى نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام يستنجده ، ويعلمه بأنه لا يمكنه الخروج من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريين عليه ، فجهز إليه العساكر شيئا بعد شيء ، وخرج نور الدين من دمشق بنفسه إلى بلاد الفرنج التي بالساحل ، وأغار عليها واستباحها ، فبلغ ذلك الفرنج ، وهم على دمياط ، فخافوا على بلادهم من نور الدين ، أن يتمكن منها ، فرحلوا عن دمياط في الخامس والعشرين من ربيع الأوّل بعد ما غرق لهم نحو الثلاثمائة مركب ، وقلّت رجالهم بفناء وقع فيهم ، وأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها ، وكان صلاح الدين يقول : ما رأيت أكرم من العاضد ! أرسل إليّ مدّة مقام الفرنج عل دمياط : ألف ألف دينار سوى ما أرسله إليّ من الثياب وغيرها . وفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة رتبت المقاتلة على البرجين ، وشدّت مراكب إلى السلسلة ليقاتل عليها ، ويدافع عن الدخول من بين البرجين ، ورمّ شعث سور المدينة ، وسدّت ثلمة ، وأتقنت السلسلة التي بين البرجين ، فبلغت النفقة على ذلك ألف ألف دينار ، واعتبر السور ، فكان قياسه : أربعة آلاف وستمائة وثلاثين ذراعا . وفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة أمر السلطان ، بقطع أشجار بساتين دمياط ، وحفر خندقها ، وعمل جسر عند سلسلة البرج . وفي سنة خمس عشرة وستمائة ، كانت واقعة دمياط العظمى ، وكان سبب هذه الواقعة أنّ الفرنج في سنة أربع عشرة وستمائة ، تتابعت إمدادهم من رومية الكبرى « 1 » : مقرّ البابا ، ومن غيرها من بلاد الفرنج ، وساروا إلى مدينة عكا ، فاجتمع بها عدّة من ملوك الفرنج ، وتعاقدوا على قصد القدس ، وأخذه من أيدي المسلمين ، فصاروا بعكا في جمع عظيم .

--> ( 1 ) رومية الكبرى : هي مدينة رئاسة الروم وعلمهم واسمها رومانس وهي من عجائب الدنيا بناء وعظمة بينها وبين القسطنطينية مسيرة خمسين يوما . الأعلام ج 3 / 100 .